خليل الصفدي

399

أعيان العصر وأعوان النصر

مبلول الجناح ، ودنا حين أطلق فركضه من مشى بالأرجل لا أن رفعه من قام بالراح . ومولانا يأخذ من هذه الأنباء بأحسنها ، وكلها حسنة ، ومن هذه البشائر المنتظر قدومها بأبينها يمنا ، وكلها بيّنة متيمنة ، وقد علم حق نعم اللّه الشكر ، فيوفيها منه حقها ، ويتوقّع رزق بلاده من السماء كما وعد ، فقد أخرج لتلك من خزائن غيبه رزقها ، ويوفر الرعايا من الجباية ؛ ليتوفروا على الدعاء ، ويعرفوا نزاهة هذه الدولة القاهرة عن القوة على الضعفاء . فإن المرسوم الشريف نص على هذه الخاتمة الجليّة ، وطهّر هذه الموارد من قذى الأذى ؛ لتنقى القلوب من السخط ، كما كانت في نفسها نقية ، ومن وعى فواضل هذا الكرم الطاهر فليقل : يا مقيلات الجدود العواثر . واللّه تعالى يجعل مولانا من المتوكلين عليه ؛ ليزيده إيمانا ، ويرزقه كما رزق تلك الديار التي غدت من الظمأ خماصا ، وراحت من الري بطانا ، بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - . ولما كنت أنا بالديار المصرية سنة تسع وعشرين وسبعمائة ألزمني القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه - رحمه اللّه تعالى - أن أنشئ كتابا في المعنى ، فكتبت وباللّه التوفيق : « ضاعف اللّه تعالى نعمة الجناب ، وسر نفسه بأنفس بشرى ، وأسمعه من الهناء كل آية هي أكبر من الأخرى ، وأقدم عليه من المسار ما يتحرز ناقله ويتحرّى ، وساق إليه كل طليعة ، إذا تنفّس صبحها تفرق ليل الهم وتفرّى ، وأورد لديه من أنباء الخصب ما يتبرّم به محل المحل ويتبرا » . هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تخصّه بسلام يرق كالماء انسجاما ، ويروق كالزهر ابتساما ، وتتحفه بثناء جعل المسك له ختاما ، وضرب له على الرياض النافحة خياما ، وتقص عليه من نبأ النيل الذي خص اللّه الديار المصرية بوفادة وفائه ، وأغنى قطرها عن القطر فلم تحتج إلى مد كافه وفائه ، ونزّهه عن منّه الغمام الذي إن جاد فلا بد له من شهقة رعده ودمعة بكائه ، فهي البلاد التي لا يذمّ للأمطار في جوها مطار ، ولا يزم للقطار في بقعتها قطار ، ولا ترمد الأنواء فيها عيون النوار ، ولا تشيب بالثلوج فيها مفارق الطرق ورؤوس الجبال ، ولا تبيت البروق ساهرة ؛ لمنع العيون من تعهّد الخيال ، ولا تفقد فيها حلى النجوم لاندراج الليلة تحت السحب بين اليوم وأمس ، ولا يتمسك المساكين في شتائها كما قيل بحبال الشمس ، وأين أرض يخمد عجاجها بالبحر العجاج ، وتزدحم في ساحاتها أفواج الأمواج ، من أرض لا تنال السقيا إلا بحرب ؛ لأن القطر سهام والضباب عجاج قد انعقد ، ولا يعم الغيث بقاعها ؛ لأن السحب لا تراها إلا بسراج من البرق إذا